هشام جعيط

332

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

المتعلقة بامتداد الأقيسة والبحث عن المظهر العظيم والمترف ، توحي باستيعاب أكثر رقة للمكاسب السابقة كما توحي بالذات بوعي للحضارة العربية وهي بصدد التكوين ، وبترجمة معمارية عن شعور بالقوة ، فيما كانت منطقة الشام وفلسطين توحي بالبحث عن الجمالية والجمالية فحسب . فهل كان ذلك بمثابة عودة أكثر وضوحا إلى المثال الآشوري - البابلي الذي ساعدته ظرفية الدفاع والصراع ؟ إن الظاهرة الجديدة في واسط بالمقارنة مع الكوفة والبصرة ، هي أن يشيّد خط مضاعف من الأسوار ، وخندق ، وأن توجد أبواب جيدة الحراسة « 1 » . هذا احياء لبابل وصورة مسبقة لبغداد أيضا ، كأن واسط أرادت أن تمر من فوق مرحلة الأمصار الصرف « 2 » لوصل الحاضرتين الكبيرتين بوادي الرافدين . كانت الكوفة الأولية والأموية مدينة مفتوحة فعلا . ولم ترض ، شبيهة في ذلك باسبرطة ، بسور سوى ذاك الذي ترفعه سيوف أبنائها . لقد تبقى فيها ما يشبه الشعور بالحرية العربية ذاتها ، حرية المقاتلين المتأهبين للهجوم ، لا سيما حرية البدو المولعين بروح الصحراء . ولعلهم كانوا يتبرمون من العيش المدني ويختنقون فيه اختناقا ولعلهم كانوا يتصورون أي سور كحائط سجن يحبسهم بصفة لا تطاق . ولعل امتناع المصرين من قبول النظام الاستثنائي ، نظام الرقابة وحظر التجول ليلا ، الذي شرع زياد في تطبيقه « 3 » وتمادى فيه الحجاج ، هو الذي جعل هذا الأخير يقدم على الفصل بين مقر الحكم والسكان العرب . إن التمييز بين المجتمع والسلطة هو وحده الذي يفسر تشييد الأسوار في واسط كما في بغداد ، وليس الخطر الخارجي « 4 » . بقي أن يجري التنقيب عن نموذج في الحضارات السابقة . . . في البداية ، تماثل المجتمع بالشعب العربي من مهاجرة الكوفة والبصرة . كانت أمة من المقاتلين تشعبت تشعبا عميقا بذاتيتها بالنسبة لجهاز الدولة الذي اعتبرته طفيليا باستمرار . وهناك أيضا عالم أهل السواد ، الذي منع عليه الحجاج التسرب إلى الحاضرة العربية . لذا اختير السكان العرب في واسط اعتمادا على ما أبدوه من ولاء ، فتكونوا من أهل الشام ومن عدد من أهل الأمصار المنتخبين « 5 » ، والرأي عندي أنهم كانوا قليلي العدد ولم يشكلوا مجموعة حضرية منسجمة ومتميزة في آن . أما أهالي السواد ، فقد حظّرت عليهم

--> ( 1 ) تاريخ واسط ، ص 46 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 45 ، حيث يدور النقاش لمعرفة ما إذا كان لواسط خاصيات المصر ونظامه . ( 3 ) الطبري ، ج 5 ، ص 217 وما بعدها . ( 4 ) كان يجدّ ذلك بعد نشوب الثورات الداخلية : ثورة ابن الأشعث ، واضطراب الراوندية ، وانتفاضة محمد بن عبد اللّه الحسني . ( 5 ) بحشل ، تاريخ واسط ، ص 44 .